الرئيسية » سياسة » “انتخـابــات أكتوبر”

“انتخـابــات أكتوبر”

جريدة طنجة – محمد العطلاتي ( الانتخابات ) 

مُــنذ استقلالهِ عن الإدارتين الفرنسية و الإسبانية سنة 1956 عرف المغرب محاولات متواصلة، تكون أحيانا بمبادرة تلقائية من القصر و أحيانا أخرى بضغط من الجمـاعـات السياسية الـمُعارضة، في اتجاه بناء أسس الدولة العصرية، و رغم أن الاستقلال، الذي ظلت “طبيعته” موضوع نقاش تشكيكي محتدم في أوساط الجماعات اليسارية، جاء في ولاية الملك الراحل محمد الخامس، إلا أن خلفه الراحل الحسن الثاني كان، في واقع الأمر، الرجل الذي وضع اللبنات الأولى و الأعـمدة المفصلية لبناء الدولة المغربية، و ذلك مع حفظ “حقوق الطرفين” التي أثمرتها اتفاقيات إيكس ليبان، ما جعل البلد مصبوغا بطابع “معاصر” صوريا، و بآخر “أصيل” متجذر في ثقافة الجماهير، وهي ملامح ظلت مسترسلة دون انقطاع منذ بداية الستينات، تـاريخ أول دستور، إلى يوم عصرنا هذا.

استطاع القـصر، كفاعل رئيس في المشهد السياسي المغربي، أن يحافظ على استمرارية النظام و استيعاب التحولات الجيوسياسية وطنيا و دوليا، و ذلك رغم الهزات العنيفة التي تعرض لها في محطات ساخنة من أواسط الستينات إلى نهاية الثمانينات، استمرارية النظام، الملكي طبعا، تعززت بشكل واضح سنوات قليلة بعد تولي العاهل محمد السادس مقاليد الحكم المؤسس على نظرية “المفهوم الجديد للسلطة”.

الـدور المحوري للملـكية في المغرب ساهم ، بصورة أو بأخرى، في تحجيم القاعدة الانتخابية للأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها الإيديولوجية،كما تزايدت أعدادها بشكل لافت، لتظل هذه الأحزاب معزولة عن الجماهير التي اعتادت القيام بدور “الملاحظ” بدل الفاعل، و هكذا بقيت نسب المشاركة في الانتخابات محدودة و لا تعكس، بالضرورة، الإرادة السياسية الحقيقية للناخبين المغاربة، و هو معطى ثابت يطرح تساؤلات واقعية حول مصداقية العمل الحزبي و يؤكد، بالنتيجة، فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية و في الجدوى من الانخراط فيها، سيما امام الضعف البيِّن الذي اعترى العمل السياسي المغربي.

في ظل العزوف اللافت للشباب و عـموم الناس عن الانخراط الفعال في العمل السياسي، كآلية بإمكانها تحقيق مطلب “ربط المسؤولية بالمحسابة”، في ظل واقـع ممـاثل، رغم سلبيته من جهة المشاركة، فثمة مستفيد منه، و في السياسة، فالمستفيد في الحالة المغربية هو التنظيم المغربي المتفرع عن حركة الإخوان المسلمين أو حزب العدالة و التنمية.

لقد بقي التنافس السياسي بين الأحزاب ضحلا و غير عميق، و كرسه عدم مبالاة الناخب المغربي بتعدد الالوان السياسية لاقتناعه بكونها مجرد ألوان بهلوانية لا تحيل على شيء ذي قيمة ، لكن مع بروز تنظيم سياسي يعتمر قبعة الإسلام تغيرت القواعد بشكل لافت، فالحزب الذي ترأس و قاد الحكومة منذ 2011 يبدو أنه لم يتضرر انتخابيا رغم قيامه خلال ولايته بتدابير قانونية و تنظيمية موقعت المغرب بالدرك الأول في المديونية و رفع الأسعار، و أجهزت على المكاسب الاجتماعية التي حققتها الطبقات الوسطى و الفقيرة، فلماذا جرت الأمور بهذه الصورة المنافية للمنطق و قواعد الديمقراطية؟

إن التنظيم السياسي، باعتباره أداة مدنية أفرزها تطور المجتمعات لممارسة الصراع من أجل السلطة، يكتسب أفضلية كبرى على باقي التنظيمات عندما يتدثر بعباءة الدين، لاسيما في مجتمعات تعاني الأمية و انعدام الثقافة السياسية، فقاعدة هذا التنظيم الانتخابية تتميز في غالب الحالات بالاستقرار و الثبات، لا بل و التوسع أيضا، لأنها قاعدة تؤمن بصواب ما يتخذه الحزب و لو لم يكن ذلك في مصلحتها، فهي لا تملك القدرة على محاسبة هذا الفصيل السياسي الحاكم، إذ هو في النهاية، لا ينفذ، بحسب المعتقدات البدائية، إلا ما قدر الله له أن يكون.

إن الديمقراطية، كمطلب سياسي تكتنفه الكثير من المثالية، تغدو في المجتمعات المتخلفة عن أقرانها مجرد أضحوكة، فهي لا تصلح لمجتمع جاهل ، لأنها تسمح لـ”أغلبية من الحمير بتحديد مصيرك” و القول، طبعا، للأديب الإيرلندي جورج برناردشو..

 

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المدرب السابق لفريق اتحاد طنجة يخضع لعملية جراحية

العثور على أداة مصنوعة من عظام الحيوانات بمغارة دار السلطان ـ الرباط عمرها 90 ألف سنة

عندما تغيب قيم ومفاهيم التنمية الثقافية عن السياسات الحكومية